أمّتي لبّيتها

الدعم النفسي

ومن ضجيج الأنشطة الثقافية، الدينية والترفيهية، كان جسر العبور.. لم تكن تلك الألعاب من أجل إمضاء الوقت والتسلية فقط، بل كانت فرصة اغتنمتها كشافة الإمام المهدي (عج) لمتابعة الحالات النفسية للصغار والكبار عبر مركز الدعم النفسي "ساند" التابع للجمعية، والذي يضم ثلاثمائة وسبعين متخصص ومتخصصة بمجالات علم النفس العيادي، التربوي، والإرشاد النفسي-الإجتماعي وفقًا لما أفادتنا به الحاجة بتول نورالدين. توزّع بعض هؤلاء المتخصصين بين مختلف مراكز النزوح، وكانوا دومًا إلى جانب العائلات هناك وبينهم، من أطفال ومراهقين وصولًا للراشدين، إيمانًا منهم بأن الدّعم النفسي في الحروب ضرورة وحاجة أساسية يحتاجها الأفراد، وكانت الإنطلاقة الأولى لرحلة الدعم النفسي في أولى فترات النزوح حيث بادرت كشافة الإمام المهدي (عج) بإجراء دعم نفسي أولي للحالات التي تم رصدها في مراكز النزوح. لم تكتفِ الجمعية بتقديم المساندة النفسية أثناء تواجدها بين الناس في تلك المراكز فقط، بل ربطتهم بها أيضًا عبر الخط الساخن الخاص بمركز ساند.

ترى فاطمة نورالدين المعالجة النفسية، وواحدة من بين أولئك المتخصصين الذين تواجدوا في مراكز النزوح أن الدعم النفسي تحديدًا في الحروب له أهمية كبرى، نظرًا للمخاطر التي يواجهها الأفراد الناتجة عن القصف والنزوح، إذ أنه يعمل على تخفيف الخوف ويساعد الأفراد ليتمكّنوا من العيش بطريقة متوازنة. إنطلاقًا من هذه الأهمية، بادر المركز خلال الحرب بتنفيذ مختلف أنشطة الدعم النفسي والتي تنوعت واختلفت لتناسب مختلف الفئات العمرية، والتي تضمنت ألعاب ترفيهية، وأنشطة تفريغ نفسي من رسم، تلوين وغيرها. إلى جانب الأنشطة أيضًا تم إنشاء أدلة مخصصة تتضمن إرشادات وأنشطة دعم وتفريغ، لكل فئة عمرية دليل يناسبها، ودليل خاص بالأهالي والأمهات على وجه الخصوص.

إلى جانب الأنشطة الجماعية، أضافت فاطمة أن الأمر لم يخلُ من بعض التدخلات الفردية جراء رصد بعض الحالات التي كانت تحتاج إلى متابعة خاصة وفردية وكانت تتم عملية الرصد إما عبر الأنشطة الجماعية التي كانت تُنفّذ في المدارس، أو عبر الإستشارات التي كانت ترد المركز عبر الخط الساخن أو عبر الإستمارات التي كان يُعنى المركز بملئها.

وأن تشهد لحظات الحرب الأولى، وتراقب بعيناك هول الغارات الإسرائيلية الهمجية التي تنهمر كالمطر من كل الجهات، وأن تكتوي بلوعة فقد الأحبة الذين كانوا بالأمس معك وإلى جانبك، أو أن ترى الجرحى أينما أدرت وجهك يمينًا وشمالًا، فتلك ليست مشاهد عابرة تُنسى مع مرور الأيام، بل أحداثٌ تُعرض الإنسان لمخاطر نفسية تترك ندوبًا غير مرئية في داخله. وقد أشارت الحاجة بتول إلى أن أبرز الحالات التي تم رصدها خلال الحرب، هي تلك المتعلقة بالصدمات النّفسية ويرافقها حالات الخوف الشديد، التوتر الدائم والقلق.

وقد تُرجمت تلك الصّدمات في سلوك الأطفال إذ فقد بعضعهم القدرة على النطق السليم، فيما انطوى آخرون على أنفسهم في عزلة شديدة. هؤلاء الأطفال حظوا بمتابعة سريعة، متخصصة ودقيقة من فريق مركز ساند، الذي كان يضم إلى جانب الأخصائيين النفسيين أخصائية نطق حيث قدّموا لهم الدعم والمساعدة اللازمة ليستعيدوا تدريجيًا الأمان النفسي الذي سلبته الحرب منهم وكي لا تتفاقم هذه الصّدمات وتتحوّل إلى إضطراباتٍ نفسية يصعب التعامل معها لاحقًا.

ولأن الندوب النفسية للأطفال لا تلتئم إلا في أحضان بيئة سليمة ومتماسكة، أدرك العاملون في المجال النفسي خلال فترة الحرب أن حماية الطفل تبدأ أولا من إسناد البيئة التي تحميه، أي الأهل. من هنا، لم تنحصر برامج المساندة والدعم بأنشطة موجهة للأطفال، بل اتّسعت أيضًا لتشمل مسارًا متكاملا صُمّم خصّيصًا للكبار، مستندًا إلى دليل متخصص يراعي المراحل العمرية للأهالي ويضمّ أنشطة دعم وتفريغ نفسي تُساعدهم على تفريغ الضغوطات النفسية المتراكمة واستعادة توازنهم.

في هذا الإطار، نظّم مركز "ساند" سلسلة من الورش التثقيفية والتوعوية الجماعية التي حوّلت المساحات المتاحة لملاذٍ آمن للأمهات والآباء في آنٍ واحد. تناولت هذه الورش محاور تتعلق بحياتهم اليومية؛ بدءً من آليات التّكيّف مع الضغوط النفسية المتزايدة، وسبل السيطرة على مشاعر القلق والتوتر المزمن، وصولا إلى تقديم إرشادات وتوجيهات حول كيفية التعامل مع الأطفال في أوقات الخطر وتفهّسم ردود أفعالهم السلوكية والنفسية الناجمة عن الصدمات.
لم تكن هذه الورش مجرد محطات لتوجيه النصائح والتوعية، بل تحوّلت إلى نافذة لتشخيص الحالات؛ فمن خلال

 المساحات التعبيرية والأنشطة الجماعية التي نُفّذت، استطاع الفريق المتخصص رصد العديد من الحالات النفسية بين الأهالي الذين كانوا يحاولون إخفاء معاناتهم كي يحافظوا على تماسكهم، الأمر الذي أتاح للمركز التدخل المبكر وتقديم الدعم الفردي والمتابعة المتخصصة لكل حالة قبل أن تتفاقم آثارها. كانت وهكذا اكتملت حلقات الرعاية والدعم بين احتضان الأطفال وإسناد عائلاتهم، لثتمر هذه الإستجابة الشاملة حصيلة ميدانية كبيرة وصلت إلى 4416 نشاطًا نفّذهم مركز ساند للدعم النفسي في مختلف مراكز النزوح.

فيديو يشمل مختلف الأنشطة الترفيهية 
وأنشطة الدعم النفسي

المصدر: مفوضية الإعلام في كشافة الإمام المهدي (عج)

صور من الأنشطة

المصدر: مفوضية الإعلام في كشافة الإمام المهدي (عج)

الأثر المجتمعي

لا شيء مما نفعله يتلاشى في الفراغ، كلّ حركة في الميدان لها أثرٌ حتميّ على المجتمع بأكمله، إما بترميمه وبنائه، أو بزيادة تصدّعاته ودماره. وما قدّمته كشافة الإمام المهدي (عج) خلال فترة الحرب عبر فرق الخدمة المجتمعية الخاصة بها وبالتعاون مع مركز ساند للدعم النفسي التابع لها، لم ينحصر أثره في أولئك الأطفال الذين استعادوا ضحكاتهم التي أخفتها الحرب، ولا في تلك الأم التي تعلّمت كيف تتعامل بطرق سليمة مع قلقها وكيف تسيطر على انفعالات أطفالها وخوفهم، ولا حتى في تجربة القادة والقائدات أنفسهم؛ بل امتدّ وتوسّع ليطال مجتمعًا بأكمله. وهذا التحول من الأثر الفردي إلى الأثر المجتمعي هو ما يجعل الخدمة المجتمعية في مكانها الصّحيح، فالخدمة المجتمعية كما يوضحها الدكتور في العلوم الإجتماعية علي كريّم، هي عمل منظم وهادف يسعى من خلاله الفريق الذي يُقدم على هذا العمل بأن يحقق مجموعة من الخدمات التي تصب في مصلحة المجتمع إنطلاقًا من الوفرة المجتمعية المتاحة. فتحقيق خدمة مجتمعية مُثمرة ومفيدة يبدأ من خطة دقيقة. ووفقًا للدكتور كريّم إنّ الخدمة المجتمعية أشبه بمسار من العمل الهادف الذي يبدأ من رصد الواقع، معرفة الإحتياجات، تحديد ​مكامن القوة، وتشخيص نقاط الضعف.

وهكذا كان الكشفيّون في الميدان، ففي الحرب الاخيرة، أعدوا خطة دقيقة وممنهجة، رصدوا بدقة الواقع الذي يمرّ به مجتمعهم وأبناءه، وكانوا على معرفة تامة بحاجاتهم، فوظّفوا قدراتهم وطاقاتهم لخدمة مجتمعهم وأبناء وطنهم وأهلهم..  

وقد أشار الدكتور علي كريّم إلى أن العمل الذي يقوم به القادة والقائدات الكشفيين في فرق الخدمة المجتمعية، ينعكس أيضًا علئ شخصيّاتهم بشكل غير مباشر، فمعاينتهم عن قرب للحاجات المجتمعية ولمسهم مباشرة التحديات التي تواجه واقع مجتمعهم ومعرفتهم بالجهود المطلوب بذلها، تزيد رغبتهم على تقديم الخدمات والمساعدات، وعندما تلقى مبادرتهم قبولا وتفاعلا في المجتمع، عندها ينعكس أثرعملهم بطريقة إيجابية على شخصيّاتهم، فيستمروا بمواكبة هذا العمل الأمر الذي يجعلهم مع مرور الوقت يتطوّرون ويتقدّمون ويخلق عندهم قدرات قد يوظفوها مستقبلًا في مشاريع أوسع تفيد المجتمع.

وبهذه العبارة "التعلم في الصّغر كالنقش في الحجر" تابع كريّم حديثه، موضحًا أن العمل الذي يقوم به هؤلاء القادة والقائدات الذين هم هم في عمر الشباب ويتهيّؤون الآن للإنطلاق في رحلة الحياة، سيصبح مع مرور الوقت جزءًا من شخصيّتهم، فذلك الشاب الذي وجد نفسه أمام مسؤولية إجتماعية في عمرٍ صغير وتعلم كيفية بناء علاقات مع الآخرين ضمن إطار العمل الجماعي الهادف والجاد سيحمل هذه التجارب وما كسبه من خلالها من وعي، فهم، إدراك، وحسن توظيف للقدرات في ذهنه ويقدّم مع الأيام شخصية للمجتمع أكثر قدرة على التعامل مع التحديات وينعكس على سلوكياتهم أيضّا.

وفي إطار الحديث عن الدور الذي أدته كشافة الإمام المهدي(عج) خلال الحرب، أشار الدكتور كريّم إلى أهميّة وجود منظمات ومؤسسات وجمعيات مدنية وإجتماعية إلى جانب المؤسسات الرسمية، نظرًا إلى أن المؤسسات الرسمية يغلب عليها الطابع البيروقراطي، إذ أن الآليّات المعتمدة في تلك المؤسسات تتبع روتينًا يصعب تجاوزه على عكس المؤسسات المدنية العامة. وتابغ أن الكشاف قد يكون المؤسسة الرائدة في هذا المجال لما تمتلكه من قدرة على التّكيّف مع المجتمع وتوظيف ما لديها من قدرات في أي وقت وعند حصول أي طارئ. فالأزمات والحروب لا تحتمل انتظار المعاملات الرسمية، فالعائلات النازحة التي غادرت منازلها منتصف الليل يجب أن تحظى بالمساعدات والاهتمام اللازم في تلك الساعات الأولى، وهذا ما قامت به الجمعية في ساعات النزوح الاولى، كانت سريعة الاستجابة للأزمة وانتشرت على الطرقات وفي مختلف مراكز النزوح كي تستقبل النازحين. والأهم من هذه السرعة هو طبيعة التواجد، فالناس في ساعات الخوف والقلق يحتاجون أن يروا وجوها يعرفونها ويثقون بها لتساندهم وتبث فيهم شعور الأمان. والكشفيون هنا هم أبناء هذه البيئة نفسها، يتشاركون مع الناس الوجع نفسه ومرارة النزوح. هذا القرب المباشر يكسر الحواجز، فالتواصل هنا لا يحتاج إلى معاملات؛ المتطوع الكشفي يفهم بسرعة ما تحتاجه تلك العائلات، والنازح يرى في هذا الشاب الكشفي ابنه أو جاره. وبذلك تتحول الخدمة الميدانية من مجرد إجراء إغاثي جاف إلى سندٍ أهلي دافئ، يُشعر الناس بأنهم بين أهلهم، ويحفظ لهم كرامتهم وسط الأزمة.

في الختام، أكّد الدكتور علي كريّم أن العمل المجتمعي والتصدي للتحديات، إلى جانب التجارب التي نخوضها في درب الخدمة المجتمعية، جميعهم يساهمون بتشكيل ركيزة للمجتمع يمكن البناء عليها لسنوات طويلة. وأشار إلى أن هؤلاء القادة والقائدات الكشفيين المتطوعين هم أساس هذا المجتمع، فاستثمار قدراتهم والعمل عليها وتوظيفها في المكان المناسب يسهم في خلق هوية قِيَميّة تعتمد الخدمة المجتمعية أصلا لها، وتضع في أولوياتها مسألة الدعم والصمود والتكاتف، وشدّ عضُد المجتمع والنهوض ليظل قادرًا على الثبات في وجه كل الأزمات ويحقق النصر.