أمّتي لبّيتها

في الميدان

265,375

عدد المساعدات التي قدّمت

54,607

عدد الأنشطة التي نفذت

2819

عدد القادة والقائدات المتطوعين للخدمة

على وقع صوت الغارات الإسرائيلية، عائلات كثيرة وضعت حياة كاملة في حقيبة سفر صغيرة، أغلقت باب منزلها وغادرت وكانت الوجهة نحو مراكز خصصت لاستضافة النازحين. من بين تلك العائلات، أطفال لم يبلغوا الحُلُم بعد، وجدوا أنفسهم في غرفة صغيرة محاطين بمئات الأشخاص من أطفال مثلهم، كبار ومسنين بعد أن كانوا يعيشون حياة هادئة في منزل يتواجدون هم وأهلهم به فقط..

مريم، الأم التي أجبرتها الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان في يوم من أيام شهر رمضان المبارك أن تأخذ بين طفلتها كوثر وتغادر المنزل نحو مدرسة رفيق الحريري الثانية الواقعة في منطقة زقاق البلاط في مدينة بيروت، بحثًا منها عن مكان يحميها وطفلتها من همجية العدو..

"بقلق وخوف وعدم القدرة على النوم"، هكذا وصفت مريم أيامها الأولى في المدرسة التي كانت فيها.. أمّا عن ابنتها كوثر، تروي مريم أن كوثر في أيام النزوح الأولى كانت تبدو متعبة، وخائفة.
وتضيف أيضًا أنها في تلك الفترة كانت في معظم الأوقات تجلس وحدها رافضة اللعب مع الأطفال الآخرين حتى أقرباءها. وتذكر مريم أن كوثر بقيت على هذا الحال إلى حين تواجدت كشافة الإمام المهدي "عج" في تلك المدرسة واستطاعوا كسر وحدتها

كشافة الإمام المهدي"عج" هي جمعية كشفية تأسست في الخامس عشر من شهر شعبان عام 1985 على يد مجموعة من المخلصين، ووفقاً لما ورد في المنتدى الإلكتروني لجمعية الإمام المهدي ، عقد المؤتمر التأسيسي الأول في البقاع عام 1986 م، وتأسست بعده الهيئة العامة والمفوضيات الإقليمية للجمعية. 

تتميز جمعية كشافة المهدي (عج) بأنشطتها وبرامجها المتنوعة والجاذبة، مع التركيز على الأنشطة التربوية والترفيهية الهادفة والمصممة لتناسب خصائص الفئات العمرية المستهدفة. ولا تقتصر هذه الأنشطة على الأفواج المحلية بل تتعدى الحدود الوطنية لتصل إلى العديد من الدول العربية والإسلامية.

خلال فترة العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2026، لعبت كشافة الإمام المهدي دورًا فعالا بالوقوف إلى جانب العائلات النازحة وذلك من خلال حضور فرق تنمية المجتمع الخاصة بالكشاف والتي تضم عددًا كبيرًا من القادة والقائدات المتطوعين والأفراد الكشفيين في الميدان.
في مقابلة معها، تُعرّف الحاجة بتول نورالدين، مفوضة تنمية المجتمع في كشافة الإمام المهدي (عج) تنمية المجتمع على أنها مفوضية إختصاصية تعنى بالمجالات البيئية، الصحية، الإجتماعية، الإرشادية، والنفسية على صعيد جمعية كشافة الإمام المهدي ككل.

"الكشاف دومًا مُستعد"، بهذه العبارة بدأت الحاجة بتول حديثها عن استجابة كشافة الإمام المهدي(عج) لساعات النزوح الأولى، فمنذ تلك اللحظات الأولى بدأ الاستنفار الكشفي على الأرض لاستقبال النازحين وتيسير أمورهم.

في جوف الليل، ووسط حالة من انعدام الأمن والاستقرار، مجموعة من الكشفيين  نزلوا إلى الطرقات وباشروا بتوزيع المياه وبعض وجبات السحور على الناس المُقبلين من الجنوب نحو المناطق الآمنة. لم تكن هذه المبادرة الكشفية مبادرة ليوم واحد فقط، بل استمرت طيلة فترة العدوان الإسرائيلي في مختلف المناطق اللبنانية ومختلف مراكز النزوح.

المصدر: مفوضية الإعلام في كشافة الإمام المهدي (عج)

تواجد الكشاف بشكل أساسي ودائم في 187 مركز نزوح حيث كان مسؤولا هناك عن رصد الإحتياجات، تأمين المواد الغذائية، إضافة إلى 400 مركز كانت تتردد عليهم أيضًا كشافة الإمام المهدي(عج) لتنفيذ الأنشطة وتلبية الحاجات نظرًا لتواجد جمعيات أخرى هناك. وسعيًا منه للوصول إلى كافة المناطق التي كانت تستقبل النازحين، وزع الكشاف مراكز الاستضافة الخاصة به بين مناطق  بيروت، صيدا، زحلة، جبيل والشمال وغيرها..

2,819 متطوع من قادة وقائدات في جمعية كشافة الإمام المهدي تواجدوا بشكل يومي في مختلف مراكز النزوح، وكانوا قد كُلّفوا بمهام عديدة. ففي أولى فترات النزوح، تروي الحاجة بتول أن الأولوية كانت في تأمين وجبات الإفطار والسحور للناس، ليس فقط المتواجدين في مراكز النزوح بل حتى من هم في بيوتهم وفي الخيم على الشاطئ. وهنا أستذكر قصة قائد القطاع السادس في كشافة الإمام المهدي(عج)، حسن نجم، ومجموعة من القادة المتطوعين الذين كان نطاق عملهم ضمن منطقة بيروت الغربية التي كانت تضم عددا كبيرًا من النازحين.. انطلاقًا من التكليف الشرعي والمسؤولية الأخلاقية، وصل حسن وزملاءه الكشفيون، نهارهم بليلهم طيلة أيام شهر رمضان المبارك سعيًا منهم لتأمين وجبات الإفطار والسحور للنازحين – تلك التي كانت تعدها القائدات الكشفيات في منازلهم - كي لا يشعروا بأنهم وحدهم..

في معظم أيام شهر رمضان المبارك، حسن وجزءٌ من القادة الكشفيين الذين غدا بعضهم شهداء في منتصف الحرب، كانوا يتأخرون بالإفطار لأنهم كانوا يرفضون أن يُفطروا وهناك عائلاتٌ لم يُؤمّن إفطارها بعد، فكانوا يقصدون تلك العوائل حاملين معهم وجبات الإفطار وبعدها يعودون إلى منازلهم ويأكلوا.

إلى جانب تأمين وجبات الإفطار والسحور، قدّمت كشافة الإمام المهدي(عج) مساعدات عديدة وصل عددها إلى 265,375 مساعدة وفقًا للإحصاءات التي زوّدتنا بها الحاجة بتول نورالدين. 265,375 مساعدة تنوعت بين مواد غذائية، بعض الحاجات العينية لتشمل غاز، غسالة، براد، حرامات وغيرها من الأمور وذلك من خلال التبرعات المادية والعينية التي كانت تصلهم.

تضيف الحاجة بتول أن البلديات لم يكن لديها تدخل مباشر بمراكز النزوح، إلا أن بعض الأعمال كانت تتم بالتنسيق والتعاون معهم. حيث استفاد الكشاف عدة مرات من بعض الموارد التي توفرت لدى البلديات. وفي هذا السياق ذكرت الحاجة بتول مركز بلدية الغبيري الذي كان له دورًا بالتعاون مع الكشاف لتأمين جزء من الحاحجت الطبية للنازحين أيضًا (كرسي مقعد، عكازات..).

المصدر: مفوضية الإعلام في كشافة الإمام المهدي (عج)

خلف هذه الأرقام والإحصاءات الشاملة، يقف شبّانٌ وشابّات اختاروا أن يحملوا ثقل هذه الأزمة على أكتافهم. فالأرقام مهما بلغت تبقى صامتة، لا تُظهر كيف يمرّ اليوم الطويل داخل تلك المراكز، ولا تحدّثنا كيف أن هؤلاء القادة والقائدات استطاعوا أن يوازنوا بين قلقهم على عائلاتهم النازحة أيضًا وبين واجبهم الميداني تجاه من اعتبروهم أهلهم أيضًا. هم أنفسهم أبناء هذه القرى والأحياء التي طالها القصف وأجبروا على مغادرتها، لكنّهم اختاروا أن يكونوا من يسانِد لا من يٌسانَد. فاطمة، القائدة في كشافة الإمام المهدي والتي تبلغ من العمر سبعةٌ وعشرون عامًا لم يكن النزوح بالنسبة لها مجرد مغادرة منزل وحياة بأكملها، بل كان بداية فصل جديد من العطاء والخدمة. بعد استقرارها ب "مشروع السّعيد" في منطقة عرمون، وجدت فاطمة نفسها أمام مجمع يضم نحو 400 عائلة-أي ما يقارب ألفي شخص يتقاسمون الخوف والقلق نفسه. هناك، قررت القائدة الشابة مع زميلاتها أن يكونوا مساحة وأمان ويخدموا الناس ليخففوا عنهم ثقل الحرب. وقد طال الدور الميداني تفاصيل الحياة اليومية، من طهي الطعام وتوزيع الوجبات على العائلات النازحة، إلى تأمين الأدوية وحليب الأطفال. 

بالإضافة إلى ذلك، أقامت القائدات مختلف الأنشطة الأسبوعية حيث تولت كل قائدة فئة عمرية معينة لإقامة فقرات متنوعة بالإمكانيات والمعدات المتوفرة بين أيديهن. وعن هذا الفرح الصغير، تقول فاطمة "رغم كل الصعوبات، كان عم ينعمل أنشطة رائعة، وكانوا والأولاد اللي أغلبن كانوا عناصر بالكشاف قبل مبسوطين كتير والأهالي وينطروا الأنشطة حتى يبعتوا أولادن". وتستذكر فاطمة الكرمس الذي نظمه الكشاف في عيد الفطر، وتوزيع الهدايا على الأطفال في محاولة لمساعدتهم على تجاوزهذه المرحلة الصعبة وترميم ما أفسدته الحرب في نفوسهم.

وخلف هذا الأمل، كانت القائدات تخضن تحديات يومية، فقد عاشت فاطمة والمتطوعات ضغطًا كبيرا ناتجًا عن التوفيق بين مسؤولياتهن الشخصية والواجب الكشفي، إلى جانب خطورة التنقل والمواصلات نتيجة القصف، مما فرض صعوبة في تأمين مستلزمات الأنشطة والعمل بالحد الأدمى المتاح.

ورغم هذا الإنهاك الجسدي والنفسي، كانت كلمة طيبة واحدة كفيلة بإعادة الروح إليهن. تتذكر فاطمة تلك اللحظات قائلة: "بالرغم من كل هيدا التعب اللي كنا عم نحس فيه، إلا انو في مواقف صارت معنا وأثرت فينا وخلتنا ننسى هيدا التعب، إن كان بالأشخاص اللي كانوا عم يجو ويسمعونا الكلام الحلو..." وحين كان يُطرح عليهن سؤال باستغراب عن سبب تواجدهن بين الناس في وقت كان يجدر بهن التواجد مع عائلاتهم، كانت إجابة فاطمة: " نحن كقائدات متطوعات بكشافة الإمام المهدي، معودين نحن دايمًا عملنا لتعجيل ظهور الإمام، وتعجيل ظهور الإمام ما بيكون بس على صعيد انو نحن نجي نعمل بالأيام العادية إحياء للمناسبات، لأ بالعكس بل انو نحن وقت يكونوا أهالينا والعالم حوالينا بحاجة لإلنا نحن نكون موجودين سند إلن".
 

لم تكن تجربة فاطمة في عرمون التجربة الوحيدة ، بل كانت امتدادًا لشبكة واسعة من القادة والقائدات المتواجدين في مختلف المراكز. ففي قلب العاصمة بيروت، كان شعور مواجهة عجز النزوح يحرك قادة وقائدات آخرين حملوا الدافع نفسه "خدمة المجتمع".

هناك، بدأت القائدة الكشفية زينب علوية رحلتها مع النزوح. في مقابلة معها مكتوبة، تخبرنا زينب أنها لم تكن تتقبل فكرة أن تمرّ الأيام وهي جالسة مكتوفة الأيدي منتظرة انتهاء الحرب، فوجدت الكشاف كوسيلة تساعدها على تقديم مختلف الخدمات.

بدأت زينب مهامها بالجانب الإعلامي، فأخذت من عدستها عينًا شاهدة على الأنشطة الميدانية المقامة في مراكز النزوح. لكن حبّ الخدمة سرعان ما أخذ بيدها نحو مجال ثانٍ غلى جانب الإعلام، فبدأت زينب بتقديم الأنشطة للأطفال بنفسها قبل أن يفتح لها باب آخر وهو المشاركة في الطبخ في أحد المطابخ التي أُقيمت في العاصمة بيروت. هناك، شاركت زينب بالتعاون مع الفريق المتواجد في المطبخ بإعداد أكثر من 500 وجبة يوميًا للنازحين، وهو مطبخ مازال يعمل حتى الساعة لخدمة العوائل المتبقية في المراكز؛ الذين تدمرت منازلهم. بالإضافة إلى العمل في توضيب الحصص التي تشمل المستلزمات المنزلية، موازنة بين كل هذه المهام لضمان عدم التقصير. 

المصدر: مفوضية الإعلام في كشافة الإمام المهدي (عج)

"بعدها الدنيا بألف خير"

وفي ظل التعب اليومي التي كان يرافق زينب آنذاك، تتحدث زينب عن مواقف تركت في داخلها أثرًا كبيرًا قائلةً: "من المشاهد اللي ما بتروح من بالي، وقت كانوا الأخوات اللي عم يشتغلوا بالمطبخ، منن صبايا بعمري ونسوان كبار، يتسابقوا ليكونوا عم يعملوا الشغل الأصعب واللي بدو جهد أكتر، بس كرمال يحسوا إنن عم يقدموا شي للمجتمع. هيدا المشهد كان يأثر فيني ويبسطني ويخليني قول بعدا الدنيا بألف خير".

لم ينتهي الامر هناك تقول زينب، إذ تذكر أيضًا إحدى اللحظات التي جعلتها تلمس الأثر الحقيقي للعمل الذي يقدمه الكشاف، ففي أحد الأيام، لم يحضر الكشاف في مركز النزوح كي ينفذ أنشطة للأطفال، فتتفاجأ زينب في اليوم التالي بطفلة تركض نحوها معاتبةً إيّاها: "ليه مبارح ما جيتي يا قائدة وما عملتيلنا نشاط؟، اشتقنالك وكنا ناطرينك"، تقول زينب: "هون حسيت أديه الدور اللي قدمو إلو إثر حقيقي عالأولاد وإنو الموضوع مش شي عابر، بهاللحظة عرفت أديه الأطفال عم يلاقوا فرحتن معنا"

المصدر: مفوضية الإعلام في كشافة الإمام المهدي (عج)

ولمعرفة المحرّك الحقيقي الذي دفع فاطمة وزينب وغيرهم من القادة والقائدات للنزول إلى الميدان وتقديم الخدمة وسط الخطر والظروف الصعبة، توجّهنا بسؤالٍ موحّد إلى مجموعة من الكشفيين الذين تطوّعوا في هذا المجال: " شو السبب اللي خلاك تتواجد عالأرض وتقدم خدمة للناس خلال الحرب؟"، وهكذا كان جوابهم:

كما لاحظنا، لم يغفل القادة والقائدات الكشفيون عن دورهم الأساسي الذي كانوا يقومون به في الأيام العادية، بل كانوا على دراية تامة أن حاجة الطفل في هذه المرحلة لا تقتصرعلى الطعام والشراب والملابس، بل هو بحاجة أيضًا إلى مساحة آمنة يعبّر فيها عن نفسه، تُنسيه مرارة الحرب والذكريات الأليمة التي عاشها، فحوّلوا ملاعب مراكز النزوح وباحاتها إلى ملاذٍ آمن يلجأ إليه الطفل هربًا من مخاوفه وأفكاره. ابادروا إلى تنفيذ مختلف الأنشطة لمختلف الفئات العمرية، ومنها الأنشطة الترفيهية، التي تضمنت ألعاب حركية ومسابقات حماسية وأهازيج كشفية تعالت معها ضحكات الأطفال لتطغى على صوت الغارات الإسرائيلية وتزرع الأمل في قلوبهم. بالإضافة إلى ذلك، أقاموا مختلف الأنشطة الثقافية والفنية، من ورش رسم، حكواتي، وصناعة أشكال بالمعجون؛ الأمر الذي أتاح للأطفال فرصة حقيقية لتحويل ألمهم ومشاعرهم التي أخفوها إلى لوحات إبداعية. وفي تلك الظروف الصعبة، لم ينسى القادة والقائدات الأنشطة الدينية، التي كانت الأساس في بثّ السكينة والطمأنينة في قلوب الصغار والكبار من النازحين وكانت الدافع الأول لثباتهم. 

وهذه الأنشطة كانت طوق نجاة كوثر؛ تلك الطفلة التي هربت من كل من حولها وأخدت الوحدة رفيقة لها..
لم تكن كوثر بحاجة إلى كلام توجيهي أو محاولات إقناع كي تخرج من العزلة التي أطبقت على أيامها؛ كانت فقط بحاجة أن تشعر بأن المكان حولها آمن، وأن الخوف الذي استقرّ في داخلها ليس دائم. في البداية، كانت تكتفي بمراقبة المشهد من بعيد، عيناها تتتبّع الأولاد يمينًا ويسارًا ولكن الدفء والسكينة الذي خلقها القادة الكشفيون لم يترك كوثر في حالة المراقب من بعيد طويلا.

شيئًا فشيئًا، خطت كوثر أولى خطواتها نحو الأطفال، ومع كل خطوة كان ينزاح عن قلبها الصغير قلق قديم كانت تخبئه في داخله، انكسر الصمت فكانت النتيجة طفلة تضحك مع رفاقها في مراكز النزوح، تشاركهم اللعب والمرح متناسية ما كان يخيفها. وهنا كانت مريم والدة كوثر تشعر بالراحة والاطمئنان كلّما رأت البسمة مرسومة على وجه طفلتها.. 

وتبقى قصّة كوثر، الطفلة التي وجدت الأمان والسعادة في الأنشطة الكشفية بعد أيام من الخوف والقلق والوحدة؛ الشاهد الأكبر على كلام فاطمة وزينب...